لقد مضت تلك الأيام التي كُنا ننام فيها ملئ جفوننا مطمئنين إلاّ أن أطفالنا وفلذات أكبادنا لن تُخدش برائتهم لمجرد لعبهم أمام بيوتهم أو حتى بداخلها، أو أماكن أُخرى قد نعتقد أنها مصدر للرعاية والإهتمام لهؤلاء الصغار. لقد إستقطبت مجتمعاتنا بسبب التحضر والعولمة مختلف الأجناس والأعراق وأعداد هائلة من العمالة الوافدة، والتي تتواجد تقريباً في كُل بيت خليجي حاملة معها معتقداتها وأخلاقياتها بكل ما فيها من سلبيات.

فأصبحنا اليوم بكل أسف نسمع كثيراً عن حوادث إنتهاك لبراءة الطفولة، من هتك للعرض وغيرها من الجرائم التي يَندى لها الجبين قد تصل إلى حد القتل بأبشع صوّره من قبل ذئاب لبست أقنعة بشرية. ولقد كشفت آخر الإحصاءات في إحدى دول المجلس أن العمالة الوافدة وخاصة السائقين مسؤولون عن 42.1 بالمائة من الإساءة الجنسية للأطفال، وأما الخدم الذكور فمسؤولون عن 21.1 بالمائة من هذه الأفعال. كما بيّنت الإحصاءات في دولة أخرى من دول المجلس أن نسبة الأطفال الذين فقدوا حياتهم بسبب العمالة تصل إلى 10 في المائة من عدد الأطفال الذين يفقدون حياتهم في السنوات الأخيرة. فنحنُ كمجتمعات خليجية محافِظة ساهمنا في تفاقم هذه المشكلة. فمُجتمعاتنا تسودها الكثير من التابوهات التي يصعب إختراقها. فالعادات والتقاليد تحّد من مناقشة هذه المشكلات في العلن؛ لإماطة اللثام عنها ولوضع الحلول الناجعة لها وقرع ناقوس الخطر لمنع تكرارها.

ولقد آن الأوان أن نتصدى للمشكلات الإجتماعية الحساسة بكل موضوعية ومصداقية؛ وذلك لتوعية المجتمع بوجودها وأخذ الحيطة والحذر اللازمين لتجنبها. ومن خلال تقصيرنا سمحنا لأبنائنا بأن يكونوا فرائس سهلة بعدم أخذ الإحتياطات الكافية لحمايتهم، وفتحنا أبواب منازلنا على مصراعيها أمام دخلاء لا نعرف عنهم شيء، وهنا يكمن قصورنا حيث لم نقم بالتحري والبحث الكافيين عن من سوف يشاركوننا ويتقاسمون العيش معنا، ونسلّمهم فلذات أكبادنا لرعايتها. والمسؤولية يشارك فيها أيضاً أصحاب القرار في الدولة، بالتساهل في محاسبة أصحاب مكاتب إستقدام الأيدي العاملة في حال عدم مصداقية بياناتهم عن هذه العمالة. إضافة إلى عدم وجود البرامج الكافية والمناسبة والتي من شأنها توعية الوالدين لمثل هذه المخاطر. والأذى قد لا يقتصر على الغرباء في أحيان كثيرة، بل قد يكون مصدره هو أقرب الناس سواء بقصد أو بغير قصد. فاليوم يُعتبر العُنف أهم معوِّقات نمو الطفل نمواً سليماً. فالعنف ضد الطفل يشمل جميع النواحي سواء كانت جسدية، أو نفسية، ومنها الإهمال والتقصير في آداء واجبنا نحو هؤلاء الأفراد الصغار.

ومن هُنا، فإنه واجب إنساني ووطني أن يتحمل كل مربي وكل فرد في المجتمع، الدفاع عن هذه الأمانة الغالية والتي أُؤتمنا عليها. فهؤلاء الصغار هُم رجال ونساء المستقبل وعِماد الأُمة. فالمجتمعات التي ترجوا الإزدهار والتقدم، لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا بطفولة سليمة تستطيع أن تحمل أعباء مسؤولية تنمية مجتمعاتها على الوجه الأكمل.

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

Post Navigation