سنوات قليلة وتٌكمل غالبية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حوالي الخمسين عاماً منذ دخولها عصر الحضارة الحديثة. حيث أصبحت منافساً قوياً في المعدلات الدولية المرتفعة للتنمية. وقياساً بعمر الشعوب دخلت هذه الدول بسرعة كبيرة مسابقة الزمن لتنتقل من مجتمعات بدوية إلى مجتمعات حضرية بعد إكتشاف النفط. فحققت إنجازات تنموية ضخمة في المجالات الإقتصادية ومجالات التنمية البشرية من تعليم وصحة وخدمات مختلفة لمواطنيها. ولكن هذه السرعة في الدخول لعصر العولمة لم تكن دون مقابل أو دون أثار سلبية جلبها هذا الإنفتاح السريع على العولمة. فمن أهم الأثار السلبية لهذا الإنفتاح كان التخطيط العشوائي لمدن هذه الدول مما نتج عنه ضعف البنية التحتية والذي أدى إلى هدر الكثير من الجهد والأموال لإعادة وتطوير مثل هذه الخدمات. والأهم من التنظيم العشوائي لمدن هذه الدول هي الصدمة الحضارية التي تمر بها مجتمعات هذه الدول. فهذه المجتمعات مازالت مجتمعات بدوية في جوهرها وإن تلحفت بثوب المدنية الحديثة. حيث مازالت تسودها العصبية القبلية التي تشكل عنصر مهم في تلاحم أفراد هذه المجتمعات وتحيزهم لبعضهم بعض على أساس العرق والدم أكثر منه على أساس الكفاءة والتميّز. أيضا فهذه المجتمعات مازالت ذكورية أبوية بإمتياز كما كان سائداً في المجتمع البدوي القائم على تقدير القوة الجسدية بسبب ظروف البيئة الطبيعية. وتتضح لنا هذه الصورة في الإنتخابات البلدية والمحلية لهذه الدول حيث يتم إنتخاب المترشحين عادة على أساس التعصب القبلي ونوع الجنس. فهذا التعصب القبلي يقلل من فرص الأكفاء من الذين لا ينتمون لقبائل قوية وأيضاً فرص النساء في هذه الإنتخابات.

إن الصدمة الحضارية الذي شكلها الدخول السريع لدول المجلس جعلها متأرجحة بين قيم البداوة وقيم المدنية الحديثة. لذلك أصبح من الأهمية بمكان تقييم هذه التغيرات وتوجيهها في المسار الصحيح المبني على أسس مدروسة لتسير وفق مسار حضاري وثقافي يتلائم مع روح العصر، ويحافظ في نفس الوقت على هوية هذه المجتمعات الأصيلة مع تحقيق التطوير والتجديد لتجنب التخبط الثفاقي للأجيال القادمة. فاليوم أصبحت هذه الصياغة الثقافية الجديدة لمجتمعات دول المجلس أهم بكثير من النمو الإقتصادي والعمراني. فالمجتمعات ذوات الهوية الراسخة والمتجددة بطريقة منظمة ومواكبة لمتطلبات العصر، هي المجتمعات التي تبقى ثابته في وجه المتغيرات والتحديات على مر العصور محققة النمو المتوازن والمتجدد، ولتُكتب بين الأمم والشعوب في ذاكرة الخلود.

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Post Navigation