إن المطالبة بالحقوق سواء من تعليم وصحة وعمل، هي مطالب شرعية للمواطنين من دولتهم. ولكن هذه الحقوق هي متبادلة بين الدولة والمواطن، فالدولة أيضاً لها حقوق. فعندما يؤدي المواطن حق دولته على أكمل وجه، فإنه بالمقابل يستحق أن تقوم الدولة بواجباتها نحوه كاملة تقديراً لإجتهاده وإخلاصه.

ولكن لسان حالنا يقول أننا نعرف الكثير عن حقوقنا ولا تفوتنا شاردة أو واردة في هذا المضمار، وعندما يكون الموضوع يتعلق بحقوق الدولة فبصراحة كثيرمنا ليس لديه أدنى فكرة، وقد يتساءل بعضنا هل للدولة حقوق، ألم توجد الدولة لتلبية مطالب مواطنيها وسد حاجاتهم دون مقابل؟

إن حقوق الدولة تتمثل في الحفاظ على مواردها وإحترام قوانينها والإخلاص في العمل لتسيير عجلة التنمية. فالإخلاص في العمل في أي قطاع كان سواء حكومي أو خاص، هو العمود الفقري لنمو الأمم. فكيف تبنى الأمم من غير عمل ومن غير أن يشحذ شبابها الهمم. ولو كان كل واحد منا يراعي ضميره في عمله، ويحافظ عليه كماله الخاص لكنا اليوم نسابق الحضارات في التقدم والتطور. ومن الأمثلة الرائعة التي نستشف منها العبر والدروس في وقتنا الحاضر هو مثال الشعب الياباني الذي أشتهر بجديته وإخلاصة في تأدية عمله. حيث أن العمل هو وجود المواطن الياباني، وهو ما يعرف بــ ((YORUKI ويعني النزعة الذاتية للبحث عن الذات من خلال العمل. وقد بلغت نسبة الغياب عن العمل في اليابان (2%). وحاولت الحكومة اليابانية تخفيض ساعات الدوام الرسمي ففشلت في ذلك لأن الموظفين يرغبون ببقاء ساعات طويلة لينجزوا أعمالهم على أكمل وجه.

فالموظف وخاصة الحكومي هو وكيل عن الشعب في إدارة شؤونه وإن عدم إلتزامه بأخلاقيات العمل يخلق ما يسمى فجوة الأداء الذي يؤدي إلى الفساد الإداري، والذي يعرقل شؤون المواطنين ومصالحهم وبالتالي عرقلة نمو المجتمع وتطوره. وهذا ينتج عنه البيوقراطية السقيمة والتي أصبحت مرض متفشي في كثير من المؤسسات. فشبابنا اليوم هم أحوج ما يكونون إلى غرس روح حب العمل والإخلاص حيث أن كثير منهم ينظر للوظيفة على أنها مجرد مصدر دخل أو حتى أحد هذه المصادر، فلا يؤدون واجباتهم الوظيفية كما ينبغي، فيهدرون مال الدولة ووقتها في قضاء مصالحهم وأمور لا تتعلق بواجبات الوظيفة.

وقبل أن ننظر إلى الغرب أو الشرق في إلتزامهم بأخلاقيات العمل من تفاني وإخلاص وصدق مع أنفسهم ومع مجتمعاتهم في أداء وظائفهم أينما كان مجالها سواء حكومي أو خاص، فإن ديننا الإسلامي الدين المحكم هو من أشد الأديان السماوية وأغزرها ثروة في التعاليم والتوجيهات الدينية التي تكوّن لدى الفرد رصيداً ثميناً من أخلاق العمل، والشعور بالمسؤوليه، وتحمل الأمانة التي تلقى على عاتق الفرد، والإلتزام بالعهد والمواثيق التي يقطعها الإنسان على نفسه. فقد قال تعالى: ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون). كما زخرت سيرة نبينا العطرة وصحابته رضوان الله عنهم بالإخلاص والإتقان في العمل والتفاني في خدمة دينهم ومجتمعهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما من راعي يسترعيه الله رعيه، يموت يوم يموت وهو غاش لها، إلا حرّم الله عليه رائحة الجنة).

ومن خلال ترسيخ قيم ديننا الحنيف وسيرة نبينا الكريم من حب لللعمل والتفاني في تأدية الواجب وذلك من خلال التنشئه الأسرية والمناهج الدراسية لكل المراحل بما فيها المرحلة الجامعية، نستطيع غرس الرقابة الذاتية في النشء والخوف من رقابة رب العالمين قبل رقابة المسؤول.

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

Post Navigation