تأتي أهمية الطفولة من أن مستقبلها يعتمد عليه مستقبل الأمة والوطن وبالتالي من الأهمية بمكان التركيز على هذه الفئة الصغيرة، والتي سوف تحمل الراية من بعد الأباء والأجداد في بناء مجتمعاتها وتشكيل هويتها. ولقد أثبتت الدراسات التي أجريت على الأطفال بأن مرحلة الطفولة ما قبل الست سنوات هي مرحلة هامة للغاية في نمو الإنسان، حيث يتشكل حوالي 40% من الدماغ في هذه المرحلة العمرية. وبتقديم الإهتمام والرعاية لهؤلاء الصغار في كافة المجالات نصبح قد أرسينا دعائم مجتمع وأمة تخطو بخطىً ثابتهً وواثقة نحو مستقبل مضيء لنسابق بقية الأمم في الحضارة والتقدم.

إن مرحلة الطفولة هي المرحلة التي تتكون فيها شخصية الإنسان حيث تترسخ العادات والتقاليد والخصائص الثقافية والسلوكية من البيئة المحيطة بذهن هذا الكائن الصغير، لذلك فإنه من حق الطفل أن يكتسب هويته من ثقافته. والرسول عليه الصلاة والسلام قد بين تأثير الأهل والمجتمع على هوية الطفل، حيث قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه). لذلك فإن الثقافة المُقدمة للطفل هي مسؤولية تقع على عاتق المجتمع  بأكمله إبتداءً من الوالدين وإنتهاءً بالدولة. وتأتي أهمية الثقافة والإهتمام بها لكونها الأسلوب السائد في حياة المجتمعات، فهي تشمل القيم الروحية والفكرية والسلوكية والعادات والتقاليد والإتجاهات والمنجزات الفكرية والفنية وكل ما تتميز به هذه المجتمعات من جوانب معنوية أو مادية. فوفقاً لمنظمة اليونسكو فإن الثقافة هي: (إن الثقافة بمعناها الواسع، يمكن أن يُنظر إليها اليوم على أنها إجتماع السمات الروحية، والمادية، والفكرية، والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة إجتماعية بعينها. وهي تشمل الفنون، والأدب، وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. وإن الثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، والتي تجعل منا كائنات تتميّز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية، والقدرة على النقد والإلتزام الأخلاقي، وعن طريقها -الثقافة-  نهتدي إلى القيم ونمارس الخيار. وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه، والتعرّف على ذاته كمشروع غير مكتمل، وإلى إعادة النظر في إنجازاته، والبحث دون توازن عن مدلولات جديدة، وإبداع أعمال يتفوق فيها على نفسه). وبناء على هذا التعريف فإن الثقافة هي سمة تميّز الفرد عن غيرة أو أي مجموعة من الناس في رقعة جغرافية محددة عن غيرهم، بحيث تتكون لديهم سمات خاصة مشتركة من خلالها تمكّنهم من التواصل المعنوي والفكري وتحدد طرق وأساليب تقاعلهم مع البيئة المحيطة بهم.

إن غرس هذه السمات الثقافية التي تُمّيزالمجتمعات عن غيرها وتحفظ لها خصوصيتها يجب أن يبدأ لدى النشء منذ نعومة أظافرهم، وذلك لتترسخ هذه القيم ولتبقى هوية المجتمع المميّزة متوارثه عبر الأجيال. فلهذا تُدرك الدول المتقدمة خطورة وأهمية مرحلة الطفولة وإستعداد الطفل للإنجذاب لكل ما هو مثير وجذّاب. فنرى اليوم كيف تنهال على أطفالنا دون إدراك ووعي منا في أحياناً كثيرة، كميات هائلة من البرامج الثقافية التي لا تتناسب مع ثقافة مجتمعاتنا العربية والإسلامية عبر مختلف الوسائط، مما صعّب عملية الإنتقاء والغربله لهذه البرامج. فأطفالنا اليوم يتعرضون لبرامج مختلفة تحمل في طياتها رسائل منافية للأعراف السائدة وأحياناً كثيرة مهاجمة للهذه الأعراف والثقافات مما يؤدي إلى تشويش أذهان هؤلاء الصغار وتقمصهم لثقافات غريبة عن مجتمعاتهم ومنافية لما تربى عليها أبائهم وأجدادهم.

واليوم أفه خطيرة دخلت بيوت الأسر العربية وخاصة الخليجية وهي الخادمة الأسوية، وأصبحت هذه الخادمة تنخر في عضد هذه المجتمعات، حيث أخذت في أحياناً كثيرة  دور الأم في تربية وتنشئة الأجيال. وما أخطرها من مهمة يمكن من خلالها تمييع هوية الأمة وتدمير ثقافتها عبرالأجيال القادمة، ناهيك عن الجرائم الشبة اليومية بأنواعها التي تُرتكب في حق هؤلاء الأبرياء من قبل هذه الخادمات متمثلةً في الضرب والتسميم وأحياناً القتل في أبشع صورة. فنسبة كبيرة للأسف من أطفالنا الخليجين اليوم هم عبارة عن مزيج من الثقافات ضائعين بين ثقافة الخادمة الأسوية وبين ما يتلقونه من برامج غربية عبر التلقاز أو الإنترنت وبين ثقافة مجتمعاتهم. حيث أصبحت هويتهم العربية الخليجية متأرجحة بين كل هذا المزيج فأصبحوا (كوكتيل) ليس له طعم ولا لون.

وأما المدارس الخاصة المنتشرة في دولنا وخاصة التي تُرسخ الثقافة الغربية من خلال اللغة وكل ما تحمله من معاني ثقافية، فهذه أفه أخرى بحد ذاتها تنخر في أعماق ثقافة أجيالنا وهويتهم. إن من حق كل أب وأم أن يسعوا لتوفير التعليم الأمثل والأصلح لأبناءهم، ولكن ليس على حساب هوية وثقافة المجتمع والأمة. فكثير من هذه المدارس تُنتج أجيال ليسوا بعرب وليسوا بغرب أجيال متأرجحة الهوية  بين هذا وذاك. ولست أقصد هنا أن لا نُعّلم أبنائنا اللغات المختلفة، وخاصة لغات العصر ليستطيعوا مواكبة التطور والنمو وملاحقة ركب الحضارات من خلال الإطلاع على شتى العلوم التي من شأنها أن تحقق التقدم والإنفتاح على العاالم. ولكن هذه الخطوة تأتي بعد ترسيخ اللغة العربية والقيم الثقافية لمجتمعاتنا في النشء لتتكون أولاً لديهم هوية ثابتة راسخة، ومن ثم يبدأ الإنفتاح على الثقافات الأخرى.

ولنا مثال على ذلك في الأمم التي نتباهى بتعليم أبنائنا لغاتها وبالتالي غرس كل ما تحمله هذه اللغات من معاني حضارية وثقافية.  ففي بريطانيا مثلاً أصدرت وزارة التربية والتعليم قراراً بتأخير تعليم اللغات الأجنبية للأطفال الإنجليز حتى سن الحادية عشرة، وذلك لكي تترسخ اللغة الأم أولاً في أذهان أبنائهم والإلمام بها إلماماً تاماً لأنها هويتهم الوطنية التي تجمعهم كأمة واحدة لها ثقافة مشتركة. ووفقاً للدراسات التي أُجريت في جامعة اكسفورد على تأثير تعلّم لغة أجنبية غير لغة الأم في سن مُبّكرة من العمر، فقد خلُصّت هذه الدراسات إلى أن تعلم لغة أجنبية يؤثر سلباً على التحصيل الدراسي للطفل وعلى إتقانه للغة الأُم. كما أثبتت دراسات أخرى متفرّقة من عدة جامعات أن الإلمام باللغة القومية أو اللغة الأم في سن مبكرة يساعد الطفل على التفاعل مع من حوله وإستقبال المعلومات والمعارف وفهمها فهماً جيداً، إضافة إلى أن الأطفال الذين يتعلمون أكثر من لغة في سن مبكرة يتأخر لديهم النمو اللغوي في لغتهم الأم، وأن أنسب مرحلة لتعلم الطفل للغات الأجنبية هو في الصف الرابع الإبتدائي حيث يكون الطفل قد تمكّن من إكتساب مهارات لغته الأُم التي يجب أن تكون محط إعتزاره وإفتخاره بين الأمم، وخاصة لغتنا العربية وهي لغة القرأن وهي التي تفوق لغات العالم في سعة مفرداتها وجمالها، فكما قال الشاعر حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية:

وسعت كتاب الله لفظاً وغــايــة *** وما ضقت عن آيٍ به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ***وتنسيق أسماءٍ لـمخـتـرعــات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن*** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
لذلك، فإنه من الواجب علينا كمجتمعات مسلمة عربية خليجية لها خصوصيتها في الهوية والتاريخ والعادات والتقاليد الضاربة جذورها في القدم، أن نكون حصن منيع نحمي هذه الخصوصية والهوية المُتمّيزة، ونصونها مع الأخذ بكل ما هو جديد ومن شأنه أن يقوي من عضد هذه الهوية. ولنسابق الزمن ونباهي الأمم بالأصالة والحضارة التي كانت في زمن مضى مصدر شعاع  نورٍ للإنسانية جمعاء. ولنعمل جميعاً على توريث هويهتنا للأجيال القادمة حتى لا يصبح أبنائنا بهوية في مهب الريح.

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Post Navigation