جميعنا يدرك مدى قوة الثورة التكنولوجية وما أحدثته من إنفجار معرفي أدى إلى تغيرات في الحياة الفكرية للشعوب. فقد لعبت وسائل الإتصال الإجتماعي دوراً كبيراً في التأثير على المظاهر الحياتية للمجتمعات وعاداتها وقيمها الحضارية. فنتج عن ذلك التأثير صراع بين الأجيال نتيجة للتباين بين الموروثات الإجتماعية المحلية وبين ما جلبته هذه الوسائل. ويعتبر التلفزيون من أهم وسائل الاتصال التي لها تأثير كبير على حركة المجتمع بكافة جوانبها الفكرية والخُلقية والروحية والمادية، خاصةً في بلادنا العربية والخليجية بالذات. ففي هذه المجتمعات أصبح للتلفزيون دوراً كبيراً في تغيير وتشكيل الكثير من الإتجاهات والآراء والسلوكيات بين الشباب. فهو اليوم يُعتبر من أهم عمليات التنشئة الإجتماعية، حيث تشير العديد من الدراسات أن الشباب العربي وتحديدا في دول الخليج تأثر إلى حد كبير بالمعطيات الثقافية التي جلبتها البرامج التلفزيونية، فقد أدخلت هذه البرامج قيم جديدة على المجتمعات العربية، وأحياناً تكون هذه القيم متناقضة مع قيم المجتمعات المحلية المحافظة والمنحدرة من أصول عشائرية قبلية. وقد كان يُعتقد سابقاً أن التنشئة الإجتماعية تنحصر فقط في مرحلة الطفولة، بينما تبيّن حديثاً أن التنشئة الإجتماعية هي عملية مستمرة من المولد حتى الممات. فالفرد في مرحلة النضوج يحتاج إلى التغيير من بعض إتجاهاته التي نشأ عليها لكي يستطيع التوافق مع مستجدات الحياة وضغوطاتها.

ومن المعروف أن وسائل الإعلام لها العديد من الوظائف أهمها وأخطرها نقل المعارف والقيم والمعايير والتقاليد من جيل إلى آخر لتكون بذلك من أهم وسائل التنشئة الإجتماعية، وبما أن التلفزيون هو الأكثر تأثيرا على فئة الشباب من بين وسائل الإعلام الأخرى، وفي ظل غياب برامج إعلامية عربية قوية جاذبة لهم، فإن البرامج الأجنبية بكل ما تبثها من قيم غريبة عن قيم مجتمعاتهم أصبحت الأكثر رواجاً بينهم. وليس هذا فقط بل أن كثير من البرامج العربية بما فيها المسلسلات والأفلام هي مستوحاه من برامج أجنبية. والأدهى والأمر أن تتكدس هذه البرامج في القنوات الفضائية في شهر واحد فقط من أشهر السنة، وهو شهر رمضان الكريم الذي أصبح يرتبط في أذهان شبابنا بالسهر لساعات طويلة أمام شاشات التلفزيون سواءً في البيوت أو المقاهي. ومن أجل تحقيق الربح المادي تتسابق القنوات العربية لتعرض البرامج المتنوعة بكل ما تحوية من قيم مخالفة للدين والعرف دون مراعاة لحرمة الشهر الفضيل.

ولقد افتقدت مجتمعاتنا روح المحبة والرحمة والتواد التي كانت تسود في تجمعات الأقارب والجيران في شهر رمضان المبارك. حيث طمس هذا الجهاز الصغير والذي لم يعد صغيراً؛ بسبب أحجام شاشاته المختلفة وبتأثيره على المجتمعات، الكثير من العادات والتقاليد الرمضانية المُتسّمة بالتألف والترابط. وتكمن المشكلة أننا أصبحنا جميعاً منقادين لهذا الغزو الإعلامي مما يبرهن على مدى خطورة التلفزيون والإعلام بشكل عام على تشكيل العقول الصغيرة والكبيرة منها. وقد أستخدم التلفزيون كأداة للتغيير والتأثير على عقول الناس على مدى عقود متواصلة. وتذكرنا قوة هذه الشاشة بقول الجنرال الفرنسي تشارلز ديغول عندما أراد أن ينتصر على أعداءه النازيين وإنتزاع فرنسا من بين أيديهم، حيث قال : ( أعطني هذه الشاشة الصغيرة، وأنا أغير الشعب الفرنسي).

إن الزخم الهائل من البرامج التلفزيونية والتي تحمل بين طياتها رسائل تغريب للثقافة المحلية، تؤدي إلى خلق الكثير من الاضطرابات النفسية والمشكلات الإجتماعية بسبب عدم قدرة الشباب على التوافق مع محيطهم الثقافي. وهذا يجعلهم يعيشون في مأزق لن يخلصهم منه سوى الوعي الكامل من قبل مجتمعاتهم، وتلاحمه من أجل خلق بيئة مناسبة وإعلام يعمل على تنمية عقولهم ويكون متوافقا مع بيئاتهم المحلية.

 

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Post Navigation