إن دول مجلس التعاون حققت طفرة حضارية نوعية في وقت قصير نسبيا في دخولها لعصر العولمة والتحضر. لقد كان إهتمام دول المجلس في بداية تاريخها الحديث (منذ إكتشاف النفط)، ُمنصّب على الجانب الإفتصادي والسياسي والعسكري. هذا بالإضافة إلى تأسيس البُنية التحتية والخدمات مثل التعليم والصحة، وذلك لمواكبة التطور العالمي. ولأن المجتمعات الخليجية كانت أغلبها بدوية تتسم بالبساطة، حيث تعتمد على حل مشكلاتها وتلبية إحتياجاتها الإجتماعية عن طريق التعاون فيما بينها، والإحتكام لشيوخ القبائل في حل منازعاتها، لم تكن المشكلات الإجتماعية تشكل خطر على كيان هذه المجتمعات البسيطة المعتمدة على الأعراف والتقاليد. ورغبة من دول المجلس للحاق بعصر العولمة كانت النقلة الحضارية سريعة مما أحدث تغير سريع في البنية الإجتماعية وتحولت هذ المجتمعات البسيطة الى مجتمعات أكثر تعقيداً والذي تطلّب روئ جديدة تتمامشى وهذه المستجدات في ظل الإنفتاح الحضاري الذي سببته العولمة، وزيادة عدد السكان ،ووجود العمالة الوافدة.

فلقد أثرت هذه العوامل مجتمعه على نسيج وتجانس المجتمعات الخليجية، وحوّلتها إلى مجتمعات مليئة بالتحديات، حيث جلبت هذه المتغيرات مشكلات بالغة التعقيد تطلب معها مراجعة وتقييم الخطط والإستراتيجيات ومدى تلبيتها للإحتياجات المستجدة. فالمشكلات الإجتماعية قد تزعزع أمن وإستقرار الدول وتؤثر على جميع جوانب الحياة سواء كانت إفتصادية أو سياسية أو أمنية، الخ. إن التغير الإجتماعي يُعد من السمّات التي لزمت الإنسانية منذ فجر نشأتها حتى عصرنا الحاضر، لدرجة أن أصبح التغير معها إحدى السنن المُسّلم بها بل واللازمة لبقاء الجنس البشري، والدالة على تفاعل أنماط الحياة على إختلاف أشكالها لتحقق باستمرار أنماط وقيماً جديدة يشعر في ظلها الأفراد أن حياتهم متجددة. ولتستطيع دول المجلس إحتواء هذه التغيرات وتوجيهها لما فيه صالح مجتمعاتها عليها وضع الخطط والإستراتيجيات الإجتماعية التي تتعاطى مع الأوضاع الراهنة وتلبي الإحتياجات المستقبلية وربط كل هذه الجهود بعضها ببعض في بوتقة واحدة وهي مظلة السياسات الإجتماعية، والتي تستهدف الإرتقاء بكافة الخدمات الإجتماعية. فهذه السياسات تربط كل الخدمات التي تؤثر في الظروف الحياتية للفرد (الصحة، التعليم، اوالإسكان، والعمل الإجتماعي، الخ) بصورة متناغمة ومكملة لبعضها بعض لتجمع الجهود في إستراتيجية موحدة هدفها تحقيق الرفاه الإجتماعي. ولقد كان لتنفيذ مثل هذه السياسات الأثر الكبير على تقدم دول مثل ماليزيا، وستغافورة ونقلها من مصاف دول نامية إلى دول متقدمة في غضون زمن وجيز نسبيا وذلك على الرغم من التحديات الإجتماعية الكبيرة التي كانت تواجهها هذه الدول بسبب تجانس سكانها.

إن عملية التغيير الإجتماعي كما تُستشف من خبرات وتاريخ الأمم يمكن أن تسير بسهولة ويسر إذا ما تم التخطيط لها بدقة وحذر. ولكن إذا لم يتم التخطيط لهذا التغيير فإنه يحدث بصورة هزات ثورية عنيفة وسريعة مما ينتج عنه عواقب وخيمة إجتماعية وإفتصادية وسياسية.

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Post Navigation