رأي خليجي
مصادر السياسة الخارجية العُمانية وثوابتها
بقلم الدكتورة أمل الشنفري*
تحتفل عُمان هذه الأيام بذكرى ولادة نهضتها وتولّي السلطان قابوس بن سعيد الحكم في الثالث والعشرين من تموز (يوليو) 1970، الذي يُعتبر يوم مولد السلطنة في العصر الحديث. وعلى الرغم من إعتبارها دولة حديثة بالمقاييس المعاصرة، إلا أن أمجاد عُمان مازالت محفورة في ذاكرة التاريخ لما كان لها من دور إيجابي وملموس في المحيط الهندي وبحر العرب. فقد إستطاعت مدّ سيطرتها على مناطق واسعة في منطقة الخليج والسواحل الشرقية لأفريقيا. وهي لعبت ،وما زالت، دور “بوابة الخليج” بحكم موقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي يشرف على مضيق هرمز. ولم يستطع أيٌّ من الغزاة مدّ نفوذه على منطقة الخليج العربي في حقبة من حقب التاريخ إلا لفترات وجيزة من الزمن، ليتم طرده بعد ذلك من قبل العُمانيين المرابضين عند البوابة الشرقية للعالم العربي. وتمكّن أسود البحار (كما كان يُطلق على العُمانيين سابقاً)، من إقامة إمبراطورية شملت مناطق على ضفتي الخليج وفي شرق أفريقيا، والتي كانت في أوج عطائها في عهد السيد سعيد بن سلطان. ومازالت شواهد هذه الإمبراطورية ماثلة في كل ركن من أركان هذه المنطقة حتى يومنا هذا، ومغروسة في حياة شعوبها.
وأما عُمان الحاضر فرغم تقلّص مساحتها الجغرافية، إلا أن تأثيرها مازال له صداه المتشِّح بالحكمة والإتزان مع القاصي والداني. فاليوم مع دخول هذه الدولة الحديثة عصر ثورة التكنولوجيا، وتميّزها بثقل سياسي على الساحة الدولية، فقد نالت إحترام ومكانة عالميتين بفضل السياسة التي رسمها لها السلطان قابوس.
الواقع أن مسقط إنتهجت مسلكاً سياسياً في علاقاتها الدولية يقوم على إحداث التوازن المطلوب بين الداخل والخارج، وحسن الجوار، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية. وإنطلاقاً من هذا النهج والسلوك مدّت جسور التواصل بينها وبين العالم الخارجي، وأقامت صداقات متينة قائمة على الإحترام المتبادل في محيطيها الإقليمي والدولي، متمسكة بهويتها، ومدافعة عن مصالح شعبها، ومتدرجة في إنفتاحها على العالم، ومتبنّية لأسلوب الحوار الحضاري في حل وتسوية الخلافات. وبهذه السياسة، إستطاعت أن تحوز على إحترام وتقدير المجتمع الدولي، وأن تمارس أدواراً ريادية لتقريب وجهات النظر، ما ساهم في حل العديد من القضايا، وأرسى دعائم الأمن والإستقرار في المنطقة.
واللافت بأن السياسة العُمانية، بشقيها الداخلي والخارجي، ليست بعيدة من شخصية الإنسان العُماني وتقاليده التي يغلب عليها الهدوء في التعاطي مع الأمور، وعدم التسرّع في إتخاذ القرارات والمواقف، والسعي بالخير إلى تقريب وجهات النظر ضمن ثوابت تقوم على الواقعية والحياد. وإذا ما إستعرضنا المواقف المختلفة التي إتخذتها السلطنة يتجلّى لنا هذا النهج بكل وضوح. فعلى الصعيد الخليجي، تمكّنت بكل مودة وتفاهم من ترسيم حدودها مع سائر جيرانها، وهي في ذلك تُعتبر من الدول القليلة التي ليست لديها خلافات حدودية. وأما على الصعيد العربي، فلم تتردّد أو تُقصّر عُمان في واجباتها تجاه الأشقاء العرب، ويشهد التاريخ على وقوفها إلى جانب شقيقتها مصر ومحاولة إعادتها إلى الصف العربي بعد تعرّضها لمقاطعة الدول العربية بسبب زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى القدس، وتوقيعه على إتفاقية كامب ديفيد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977. كما لم تتخذ السلطنة موقفاً عدائياً تجاه إيران في الحرب العراقية- الإيرانية (1980- 1988)، بل سعت إلى التوفيق بين الأطراف، وفي الوقت الذي لم تُقاطع إيران فهي أيضاً لم تتخلَّ عن دعم الحقوق المشروعة للشعب العراقي. وعلى النهج عينه سارت مسقط إبّان تعرض دولة الكويت إلى الغزو العراقي، حيث كانت من المساهمين في جهود تحريرها، لكنها ظلّت حريصة على إبقاء بلاد الرافدين في البيت العربي. لقد حافظت السياسة الخارجية العُمانية دائماً على علاقاتها مع جميع الأطراف في النزاعات المختلفة مدعومة بجهود مخلصة للتوفيق، ما أكسبها إحتراماً ومكانةً لأن تصبح من الدول التي تحرص الدول الكبرى كالولايات المتحدة على إستشارتها في قضايا السلام والإستقرار، خصوصاً في منطقة الخليج، ومنطقة الشرق الأوسط. وكان هذا ما أعلنه صراحة وزير الخارجية الأميركي جون كيري في لقائه مع نظيره العُماني يوسف بن علوي في حزيران (يونيو) الفائت.
وإمتداداً لهذه الرؤيا السياسية الواضحة المعالم كان الموقف العُماني تجاه فكرة الإتحاد الخليجي. فقد رفضت السلطنة فكرة هذا الإتحاد في الوقت الراهن وذلك من باب التأني بحيث يكون الإنتقال إلى مرحلة الإتحاد الخليجي مبنياً على خطط مدروسة تتماشى والواقع الخليجي، وتسبقه خطوات ضرورية وعملية قائمة على أسس ثابته، وليس كردة فعل سريعة على تطورات آنية.
ومن هنا يجب القول بأن السياسة العُمانية لم تأتِ من فراغ بل أنها إستندت إلى رؤى ثابتة في الداخل قبل أن تمتد إلى الخارج، حيث عملت حكومة السلطنة على نشر الأمن والإستقرار في الداخل من خلال فتح باب الحوار بين الشعب والحكومة، والشراكة في إتخاذ القرارات، وإستقلالية القضاء، وإحترام القانون، والقرب من نبض الشارع والقضايا اليومية التي تهم المواطنين، وتوفير سبل العيش الكريم من تعليم وفرص عمل، مع تعزيز فرص الإستثمار لدعم الإقتصاد والتنمية في البلاد. ومن خلال هذه الجهود تم دعم التلاحم وتبادل الثقة بين الشعب وقيادته. وقد أرسى دعائم هذه السياسة السلطان قابوس نفسه منذ توليه الحكم، حيث بدأ عهده بالسلام والتصالح أولاً مع أبناء شعبه قبل أن يمدّ يده إلى بقية دول العالم، ومن هنا فإن جوائز السلام التي حازها (جائزة السلام الدولي، وجائزة السلام من الجمعية الدولية الروسية)، كانت عن جدارة وإستحقاق ليس فقط عن مساعيه لتحقيق السلام، خصوصاً على الصعيد الإقليمي، بل أيضاً لتحقيقه السلام بين شعبه وفي وطنه قبل خارجه.
• باحثة عُمانية

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Post Navigation