إن أهم الأمور التي تركها لنا القرن العشرون هو مفهوم التنمية الشاملة والذي يعتبر اليوم مقياس لمدى تقدم المجتمعات المعاصرة وذلك لما يحتوي عليه هذا المفهوم من مضامين هامة في كافة مجالات الحياة سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو سياسية، ولما يترتب عليها من نتائج مصيرية لحاضر ومستقبل الشعوب.

 

ومن منطلق أن التنمية ترتكز على حشد جميع الطاقات البشرية في المجتمع دون تمييز بين الصغير والكبير وبين الرجل والمرأة، يصبح الاهتمام بإشراك المرأة وتفعيل دورها في التنمية جزءاً هاماً وأساسياً حيث أنه لا يمكن سير عجلة التنمية بدون نصف طاقتها الإنتاجية.

 

ولقد عرفت مجتمعاتنا منذ بزوغ الإسلام قيمة وأهمية مشاركة المرأة وتفعيل دورها وأهمية مكانتها في بناء الأمم. وسطرت المرأة المسلمة والعربية عبر التاريخ أسطر من نور وكانت محل فخراً واعتزاز لأمتها حيث كانت ملكة ووزيرة وقاضية وفقيهة وشاعرة وأديبة. وأما في الوقت الراهن فهناك جهود حثيثة في مجتمعاتنا للحاق بالركب العالمي في مجال إشراك المرأة وتفعيل دورها في كافة المجالات.

 

إن دول مجلس التعاون أولت اهتمام كبير بتعزيز وتفعيل دور المرأة في جميع مناحي الحياة واستطاعت هذه الدول رغم التحديات التي تكمن في بعض الموروثات الاجتماعية تحقيق الكثير من الإنجازات في مجال تمكين المرأة، حيث توالت الجهود لوضع الخطط التنموية المختلفة التي من شأنها أن تعزز وضع المرأة وتمكنها من العيش على قدم المساواة في الحقوق مع الرجل ، فتم تعديل القوانين لتعطي للمرأة مساحة أكبر للمشاركة على جميع المستويات بما فيها المناصب القيادية في القطاعيين الحكومي والخاص. كما فُتحت لها الأبواب للمشاركة البرلمانية وذلك لتساهم في رسم مستقبل بلدانها.

فاليوم أصبح لدى دول المجلس الوزيرة ووكيلة الوزارة والسفيرة وإلى ما هنالك من المراكز العليا. كما مُنحت الحق في الترشيح والانتخاب، وأصبح للمرأة حق التصويت والترشيح في انتخابات مجالس الشورى والبرلمانات. وتم إنشاء العديد من المؤسسات الحكومية والأهلية لتشجيع المرأة وتأهيلها للاندماج في المجتمع عامة والمشاركة في خطط التنمية بخاصة، ولتُعنى أيضاً بشؤون الأسرة وحمايتها من العنف والفقر والعوز. كما تسهم هذه المؤسسات من خلال برامجها إلى رفع مستوى الوعي الثقافي والصحي والسياسي للمرأة وللأسرة.

 

وتأتي هذه الجهود الرامية لتمكين المرأة وبناء قدراتها وإتاحة الفرص أمامها في كافة المجالات استجابة لما عبر عنه قاده دول المجلس بحق المرأة وقدرتها على المشاركة الفاعلة في بناء مجتمعاتها. ولقد قطعت دول المجلس شوطاً كبيراً في مجال تفعيل دور المرأة التنموي في وقت قياسي إذا ما قورن بالوقت الذي استغرقته الدول المتقدمة في هذا المجال. حيث إن الأدلة والشواهد الموجودة تؤكد على أن المرأة في دول المجلس قد خطت خطوات متقدمة ومتطورة في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، كما أصبح لها حضوراً ملموساً على مختلف المستويات المحلية والعربية والدولية. فاليوم أصبحت المرأة تتفوق على الرجل في مؤشر التعليم بكافة دول المجلس، ووصلت نسبة الإناث إلى الذكور في التعليم الجامعي حسب أخر الإحصاءات إلى حوالي 59%، كما تزايدت أعداد النساء في مجال العمل بقطاعيه الحكومي والخاص، حيث وصلت نسبة مشاركة المرأة في القطاع الحكومي إلى ما يزيد عن الثلث من مجموع القوى العاملة الوطنية، وأما القطاع الخاص فمازالت مشاركة المرأة دون الطموحات ورغم ذلك استطاعت المرأة أن تتبوأ مراكز عُليا في هذا القطاع حيث أصبحت مديرة لبعض البنوك والشركات، وعضو مجلس إدارة فاعل في هذه المؤسسات.

 

ولا شك أن هذا التطور الذي حدث في حياة المرأة وواقعها الاجتماعي قد حصل بفعل عوامل ومؤثرات عديدة ولعل أهمها التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حدثت في مجتمع دول المجلس ، وتنامي عملية التنمية بها والتي شكلت ضرباً من التغيير والتجديد الحضاري بكل أبعاده ومقاييسه حيث أصبحت دول المجلس وفقاً لتقرير التنمية البشرية من الدول ذات التنمية البشرية العالية. وقد كان للمرأة نصيب جيد من هذا التحول والتنمية مما يمثل انعكاسا لمسايرة دول المجلس لمختلف التطورات العالمية.

إن قيادات دول المجلس تؤمن بأن دعم إشراك المرأة في مسيرة التنمية وتمكينها في مجالات الحياة المختلفة دليل على تطور ووعي المجتمع بضرورة هذه المشاركة لتحقيق النهضة المنشودة التي تساير التطورات العلمية المعاصرة، لذلك فإن هذه القيادات هي دائمة التشجيع لمشاركة المرأة وتهيئه الفرص لها لكي تثبت وجودها وتضع بصماتها على مسيرة المجلس.

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Post Navigation