ظهر مفهوم السياسة الاجتماعية في القرن التاسع عشر خلال الثورة الصناعية ونشأة المجتمع الرأس مالي، حيث كان يستخدم مصطلح “المسألة الاجتماعية” للدلالة على ظهور نوع من حلقات التشاور بين أصحاب العمل والعمال بسبب المشاكل الاجتماعية التي ظهرت نتيجة عملية التصنيع، وكان الهدف من هذه المسألة الاجتماعية هو إيجاد الحلول الملائمة لهذه المشكلات القائمة أو للحد من تفاقمها وذلك نتيجة التطورات الاقتصادية التي شهدها المجتمع الرأسمالي في ذلك الوقت.

وأصبح مفهوم “السياسة الاجتماعية” اليوم أكثر شمولا ولم يعد محصوراً في شكله التقليدي، وهو سد الاحتياجات الملحة للطبقات المحرومة أو المهمشة، فأصبح يُستخدم بمنحى أكثر شموليه ليدل على السياسة الاجتماعية التي تسعى إلى تحسين المستوى المعيشي للأفراد وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل لمصادر الدخل وتوفير مستويات صحية وتعليمية جيدة لأفراد المجتمع وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في العملية التنموية. كما تركز السياسات الاجتماعية الحديثة على أهمية الاستثمار الاجتماعي إلى جانب الاستثمار الاقتصادي بطريقة متوازنة دون التقليص من أهمية التنمية الاجتماعية لحساب الاستثمارات الاقتصادية، كما هو الحال في كثير من الخطط التنموية السابقة.

وتكمن أهمية السياسات الاجتماعية في أنها ضرورة اجتماعية وسياسية واقتصادية وذلك من أجل تحقيق النمو والاستقرار السياسي المستقبلي نظراً لما لهذه السياسات إذا ما أُسست على خطط مدروسة ومتوازنة، دور هام وفعّال في تحقيق العدالة الاجتماعية، وإفادة جميع أفراد المجتمع من النمو الاقتصادي، ودعم المواطنين لحكوماتهم من خلال الشفافية في وضع الخطط التنموية وإشراكهم فيها.وهناك دول استطاعت أن تحقق نقله نوعية لشعوبها من خلال تبني سياسات اجتماعية متكاملة متوافقة مع احتياجات مجتمعاتها، ومن هذه الدول: تونس، ماليزيا، كوريا، كندا، النرويج، فنلندا … الخ. فعلى سبيل المثال استطاعت دولة مثل تونس ذات الموارد الاقتصادية المحدودة أن تحقق لمواطنيها الرفاه والعدالة الاجتماعية من خلال إتباع سياسة اجتماعية تسعى إلى تمكين الجميع من تحقيق حاجاتهم الأكثر أنية والازدهار من خلال تصحيح التوزيع غير العادل للموارد، وذلك عن طريق جعل العلاقة بين السياسات التنموية والاقتصادية علاقة تكاملية وربطها بعضها ببعض.

ولكي تصبح الإستراتيجيات أو السياسات الاجتماعية المتكاملة ذات فاعلية، يتوجب صياغتها بصورة متكاملة مدعومة من القوى السياسية والاجتماعية يشارك بها بالإضافة إلى القطاعات الحكومية، قطاع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني وذلك لصياغة رؤية مشتركة تحقيقاً لاستدامة العملية التنموية. فمشاركة شرائح المجتمع المختلفة في صياغة السياسات التنموية يعطيها الشعور بالانتماء لهذه السياسات والالتزام بتنفيذها على الصورة الأكمل.

ولقد نفذت دول مجلس التعاون الخليجي منذ فجر نهضتها سياسات اجتماعية قطاعية في شتى المجالات مثل الصحة والتعليم ،والرعاية الاجتماعية، والتشغيل وقطاع الخدمات المختلفة (المياه، الكهرباء، الصرف الصحي، الخ). ورغم وجود الرؤى المستقبلية لدول المجلس، فمازال لكل قطاع من هذه القطاعات سياستها الخدماتية المستقلة ولا تقع تحت سياسة اجتماعية موحدة يمكن أن تزيد من مدى فعاليتها وتقلل نسبة الهدر من خلال التكامل تحت مظلة واحدة وهي مظلة السياسة الاجتماعية المتكاملة.

إن الاستثمار في الشعوب يؤدي إلى رفع مستوى الإنتاجية لقوة العمل وهو يؤدي بدوره إلى زيادة النمو في المجالات المختلفة، كما أن زيادة دخل الفقراء بالإضافة إلى كونه يوفر حياة كريمة لهم، فإنه يساهم في توسيع السوق المحلي بسبب زيادة الاستهلاك بين أفراد هذه الفئات. فالسياسات الاجتماعية الجيدة تصمم وفقاً لاحتياجات كل مجتمع مراعية خصوصيته وذلك لتستطيع تحقيق أهدافها المنشودة في تعزيز الحياة الكريمة لكافة المواطنين وبناء رأس المال البشري، وإيجاد فرص عمل، وتعزيز التماسك الاجتماعي. لهذا عندما توضع مثل هذه السياسات وجب تحديد الأهداف ذات الأولوية للتنمية الاجتماعية مراعيه خصوصية المجتمع التي تصاغ من أجله في كل مرحلة من مراحل تطوره.

وفي المقابل إذا ما غاب التخطيط التنموي والاجتماعي السليم تسود عدم المساواة في توزيع الدخل وتفشي الفقر بين الشعوب مما يؤدي إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويجعل المجتمعات أكثر عرضه للتفكك والدعوات الإرهابية.

لذلك، يتعين على الحكومات اخذ رسم سياساتها الاجتماعية المتكاملة على محمل الجد ورسم سياسات اجتماعية متوازنة وإعطائها الأهمية الكافية في الإستراتيجيات الوطنية لها. ويعتبر الالتزام السياسي لقيادات الدول في تنفيذ السياسات الاجتماعية هو العنصر الأساسي في إنجاحها والدافع لاستمرارية تنفيذها على الوجه الأكمل وذلك لتحقيق مجتمعات متماسكة اجتماعيا وسياسياً.

FacebooktwittermailFacebooktwittermail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Post Navigation